محمد متولي الشعراوي

3148

تفسير الشعراوى

للكذب ، وأكل السّحت وكأنهم يرهقون إن أكلوا حلالا ، وأكّال صيغة للمبالغة ؛ وتكون إما في الحدث ، وإما في تكرار أنواع الحدث . فيقال : « فلان أكال » ، و « فلان أكول » وهو الإنسان الذي يأكل بشراهة أو يأكل كثيرا ، والمبالغة - إذن - إما أن تكون في الحدث وإما في تكرير الحدث . « أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ » ومادة « سحت » تعنى « استأصل ومحا » ، ولكنها تزيد أنها استأصلته استئصالا لم يبق له أثرا وتعدى الاستئصال إلى ظرفه . مثال ذلك عند ظهور بقعة من زيت أو طعام على ثوب ، نستطيع استئصال البقعة ، ونستطيع المبالغة في استئصالها إلى أن تنحت من الثوب . والسّحت استئصال مبالغ فيه لدرجة الجور على الأصل قليلا . أي يستأصل الذي جاء ومعه بعض من الأصل أيضا ؛ لذلك جاء المفسرون إلى هذا المعنى في شرح الرّبا لأن اللّه يصفه بالقول : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ( من الآية 76 سورة البقرة ) والربا في مفهومنا أنه زيادة ، ولكن الحق أوضح لنا أنه ليس بزيادة ؛ لأنه يدخل ويستأصل ويأكل ويكحت أصل المال . وظاهر الرّبا الزيادة وباطنه محق واستئصال . أما الزكاة فظاهرها نقص ، ولكنها نماء ، وبذلك نرى اختلاف مقاييس الخلق عن مقاييس الحق . والمثل الواضح : أن النفس تلتفت دائما إلى رزق الإيجاب ، ولا تلتفت إلى رزق السلب . فرجل راتبه خمسمائة جنيه ، وآخر راتبه مائة جنيه ، صاحب الراتب البالغ الخمسمائة فتح اللّه عليه أبوابا تحتاج إلى ألف من الجنيهات ، والذي يأخذ مائة جنيه سدّ الحق عنه أبوابا لا تأخذ منه كل راتبه بل يتبقى له عشرة جنيهات . هناك - إذن - رزق إيجاب يزيد الدخل ، ورزق سلب أن يسلب الحق عنك المصارف في المصائب والمهالك ويبارك لك فيما أعطاك . والسّحت هو كل شئ تأخذه من غير طريق الحلال ؛ كالرشوة أو الربا أو السرقة أو الاختلاس أو الخطف . وكل أنواع المقامرة والمراهنة ، كل ذلك اسمه سحت .